آخر المواضيع
الدفاع عن التنجيم
الية عمل التنجيم او في الدفاع عن التنجيم وبيان آلية عمله

أهلاً بكم جميعاً.

يبدو أن الكثير ممن ينتقدون التنجيم لا يفهمون آلية عمل التنجيم، وربما لا يزال يتعامل معه على أنه علم يدّعي الكشف المباشر والتفصيلي عن كل شيء دون مقدمات أو قرائن، مع أن هذا التصور بعيد عن حقيقة ما يقوله أهل هذا الفن. وقد بينا ذلك مراراً، كما شرحناه في مناسبات عديدة، ولكن بعض الإشكالات ما زالت تتكرر وكأن الشرح السابق لم يُقرأ أو لم يُفهم على وجهه الصحيح.

إن التنجيم ليس علماً رياضياً من قبيل أن نقول: واحد زائد واحد يساوي اثنين. وليس هو آلة سحرية تضغط على زر فيها فتخرج لك النتيجة النهائية كاملة مفصلة دون نظر أو اجتهاد أو جمع للقرائن. بل هو علم علامات وإشارات واستدلالات، يحتاج إلى فهم وتجربة وممارسة طويلة، تماماً كما يحتاج أي علم استنباطي إلى ذلك.

ولهذا فإن من يتصور أن المنجم يستطيع أن ينظر إلى هيئة شخص مجهول لا يعرف عنه شيئاً، ثم يذكر له جميع أمراضه ومشكلاته وأحداث حياته بدقة تامة، إنما يتصور أمراً لا يقوله أهل التنجيم أنفسهم.

فلو جاءني شخص وقال: أنا أعاني ألماً في بطني وأمعائي، فإنني أبدأ بالبحث في الدلالات المرتبطة بهذا الأمر. أنظر إلى البيت السادس، وأدرس البيت الثامن، وأتأمل الأبراج الواقعة فيهما، والكواكب المتصلة بهما، وسائر الشواهد والقرائن المؤيدة أو المعارضة. وبعد جمع هذه العلامات أبدأ بالاستنتاج، فأقول إن منشأ الخلل قد يكون من كذا أو كذا، أو إن موطن الضعف يقع في جهة معينة دون غيرها.

أما أن يأتيني شخص لا يخبرني بشيء مطلقاً، ثم يُطلب مني أن أكتشف مرضه بالتفصيل دون أي معطيات أو مؤشرات، فهذا أمر بالغ الصعوبة، بل هو أقرب إلى الاستحالة في أكثر الحالات.

وهنا أسأل سؤالاً بسيطاً:

هل يستطيع الطبيب أن يشخص جميع الأمراض دون أن يسمع من المريض أعراضه؟

هل يستطيع الطبيب أن يعرف موضع الألم ونوعه ومدته وتأثيره دون أن يسأل المريض؟

الجواب معروف للجميع.

فالطبيب يسأل، ويجمع المعلومات، ثم يفحص، ثم يربط بين المعطيات، ثم يصل إلى النتيجة.

وكذلك المنجم يجمع العلامات والدلالات والقرائن ثم يستنبط منها الحكم المناسب.

فإن كان هذا عيباً في التنجيم، فينبغي أن يكون عيباً في الطب أيضاً، لأن كليهما يعتمد على جمع المعطيات قبل إصدار الحكم، وإن اختلفت أدوات كل منهما ومنهجه.

ومن الأمور التي يغفل عنها كثير من المنتقدين أن التنجيم في أغلب صوره لا يدعي بيان التفاصيل الدقيقة لكل حادثة، وإنما يبين الاتجاهات العامة ومواطن القوة والضعف ومراكز الخطر أو النفع.

فلو أخذنا تاريخاً دقيقاً لشخص معين، ثم درسنا هيئته الأصلية مع هيئة الزمن الحاضر وهيئة المكان الذي يقيم فيه، فقد نرى تجمعاً لعلامات تدل على خطر.

لكن ماذا يعني ذلك؟

هل يعني أنه سيموت حتماً؟

لا.

هل يعني أنه سيتعرض لأذى لا محالة؟

لا.

وإنما يعني أن هناك بؤرة خطر أو منطقة حرجة ينبغي الانتباه إليها.

فقد يمر الخطر بسلام، وقد يتحقق جزئياً، وقد يقع بأشد صوره، وذلك بحسب الظروف المحيطة والأسباب الخارجية والداخلية.

فالتنجيم هنا لا يصنع الحدث، وإنما يشير إلى مواضع الاحتمال والقابلية والاستعداد.

وقد بينا هذه الآلية مراراً، ومع ذلك نجد من يؤمن ببعض النصوص ويرفض بعضها الآخر دون أن يقدم تفسيراً مقنعاً لهذا التناقض.

فهو يؤمن بأقوال منسوبة إلى بعض الأئمة في كراهة الزواج والقمر في العقرب، ويؤمن بأخبار أخرى تتعلق بأحكام النجوم، ثم إذا وصل الأمر إلى التنجيم نفسه أنكره جملة وتفصيلاً وكأنه لم يقرأ شيئاً مما ورد في هذا الباب.

ولو قال قائل إن بعض ما عند المنجمين باطل أو مشتمل على الخطأ، لكان لهذا الكلام وجه يمكن مناقشته.

أما أن يُنفى العلم كله من أساسه دون دراسة أو تحقيق، فهذا ليس بحثاً علمياً ولا نقداً معرفياً.

لقد قيل قديماً إن كثيراً من العلوم لا يدركها إلا القليل من الناس، بل وردت نصوص تشير إلى أن فهم هذا العلم لا يكون إلا عند أفراد معدودين من أهل المعرفة.

ولو نظرنا بعين الإنصاف لوجدنا أن التنجيم في بعض جوانبه أصدق من كثير من العلوم الإنسانية والنفسية المعاصرة التي تقوم هي الأخرى على الملاحظة والاستنتاج وجمع القرائن.

فالغريب أن الناس يقبلون من علماء النفس أن يدرسوا كل حالة على حدة، وأن يجمعوا الأعراض والعلامات قبل إصدار الحكم، ويقبلون من الباحثين الاجتماعيين أن يبنوا النتائج على المؤشرات والإحصاءات والاحتمالات، ثم إذا فعل المنجم الأمر نفسه قيل له: لا، ينبغي أن تعرف كل شيء مباشرة ودون مقدمات.

وكأن المطلوب من المنجم أن يعمل بالخوارق لا بالاستدلال.

وهذا في الحقيقة ليس نقداً للتنجيم، بل سوء فهم لطبيعته وآلية اشتغاله.

والأغرب من ذلك أن بعض من يتحدثون باسم علم الفلك يظنون أنهم أبطلوا التنجيم بمجرد الحديث عن الكواكب وأوزانها وأحجامها ومداراتها.

وما علاقة هذا بذاك؟

فعلم الفلك يبحث في الأجرام السماوية من حيث حركتها وكتلتها ومداراتها وتركيبها.

أما التنجيم فهو بحث في الدلالات والرموز والعلاقات والاستنباطات المنسوبة إلى تلك الحركات.

فالفلك شيء، والتنجيم شيء آخر.

ومن الخطأ الكبير أن يُبطل أحدهما بالآخر دون فهم لموضوع كل منهما وحدوده.

إن التنجيم في نظر أهله علم عظيم الشأن، واسع الآفاق، يرتبط بفهم الإشارات الكونية والسنن الخفية والعلاقات الرمزية التي تربط أجزاء العالم بعضها ببعض.

ولهذا نجد أن حضوره لم يقتصر على أمة واحدة أو حضارة واحدة أو دين واحد.

فجميع الحضارات الكبرى تقريباً عرفت التنجيم بشكل أو بآخر.

وجميع الأمم احتوت على طبقة من الحكماء أو الفلاسفة أو العلماء الذين اشتغلوا به أو دافعوا عنه.

ومن الأسماء التي تحضرني الآن:

أبو الريحان البيروني.

ونصير الدين الطوسي.

والسيد ابن طاووس.

وصدر الدين الشيرازي المعروف بملا صدرا.

والعارف حسن زاده الآملي.

ومحيي الدين ابن عربي.

وابن الفارض.

وصدر الدين القونوي.

وعمر الخيام.

وغيرهم كثير من علماء الشرق والغرب.

بل إن من مشاهير الغرب أيضاً من اشتغل بالتنجيم أو لم ير فيه ما يراه المعاصرون من استهجان، ومنهم العالم الشهير يوهانس كبلر الذي يعد أحد كبار مؤسسي الفلك الحديث.

ولا يعني ذكر هذه الأسماء أن التنجيم يصبح صحيحاً لمجرد إيمانهم به، ولكنه يبين أن المسألة ليست من قبيل الخرافات الساذجة التي لا يلتفت إليها أصحاب العقول والمعارف.

ومن الشواهد التي تستحق التأمل أيضاً أن هذا العلم بقي حياً آلاف السنين.

فقد تغيرت دول، وسقطت حضارات، وانقرضت لغات، واندثرت مدارس فكرية كاملة، ومع ذلك بقي التنجيم حاضراً في الشرق والغرب وبين مختلف الشعوب.

وهذا لا يعد دليلاً قاطعاً على صحته، ولكنه دليل على أن وراءه شيئاً يستحق الدراسة والفهم، وإلا لما استمر هذا الاستمرار العجيب عبر العصور.

ومن الأمور اللافتة كذلك أن كثيراً ممن حرموا التنجيم لم يقولوا دائماً إنه عدم محض أو وهم خالص، بل رأوا أن فيه أثراً أو وجهاً من التأثير، ولذلك جاء التحذير منه أو تقييده أو منع بعض أنواعه.

فلو كان معدوماً بالكلية لما احتيج إلى كل ذلك الجدل حوله.

وأخيراً أكرر ما قلناه مراراً:

إن التنجيم لا يخبرنا دائماً بالحادثة النهائية، وإنما يكشف لنا مواضع الخطر ومواضع النفع.

وبؤرة الخطر تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة.

فبؤرة خطر تقع على يهودي يعيش في ألمانيا النازية ليست كبؤرة خطر تقع على شخص يعيش في بلد آمن زمن السلم.

وبؤرة خطر تقع على ملك ليست كبؤرة خطر تقع على نجار أو حداد أو موظف عادي.

وكذلك مواطن النفع تختلف باختلاف المقامات والأحوال.

فما يعد مكسباً عظيماً للعامل البسيط قد لا يساوي شيئاً عند الوزير، وما يعد حدثاً كبيراً للوزير قد يكون أمراً عادياً عند الملك.

ومن هنا فإن فهم الأحكام التنجيمية يحتاج دائماً إلى مراعاة ظروف الشخص وموقعه وزمانه ومكانه.

بل حتى في الأمور الرياضية، كالتنبؤ بنتائج مباريات كرة القدم مثلاً، فإن النظر الدقيق يقتضي دراسة عدد كبير من التواريخ والهيئات.

فتاريخ تأسيس النادي، وتواريخ اللاعبين، وتاريخ المدرب، وهيئة الدولة التي ينتمي إليها الفريق، وهيئات الأزمنة المتعلقة بالمباراة نفسها، كلها تدخل في عملية الترجيح عند من يعمل بالتنجيم التفصيلي.

ثم تجمع النقاط والدلالات الإيجابية والسلبية، وبعد ذلك يصدر الحكم الترجيحي.

فهل يظن الناس أن هذا العمل يتم في دقائق معدودة أو أنه مجرد تخمين عابر؟

إن كثيراً من الأحكام التي ينقلها المنتقدون عن كتب التنجيم هي أحكام عامة أو مختصرة أو صادرة عن أشخاص قد لا يكونون متقنين لهذا الفن أصلاً.

ولهذا لا يصح أن يُبنى الحكم على العلم كله من خلال مثال مبتور أو كتاب واحد أو تجربة ناقصة.

وفي الختام أقول:

لا يحسن بالإنسان أن يفتي فيما لا يعرف، ولا أن يحكم على ما لم يدرسه دراسة كافية.

ومن حق كل إنسان أن يوافق أو يعارض، ولكن من الإنصاف أن يكون النقد مبنياً على الفهم أولاً.

أما إصدار الأحكام القطعية مع الجهل بحقيقة الشيء فليس من البحث العلمي في شيء.

وكما قال كتابكم : {وَمَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.

والسلام على من فهم مغازي الكلام.

من ابو شمس المحسن

مبتغي الحكمة راغب في النور عارف بروح الحياة ( مؤسس شبكة ومنتدى الحكمة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *